ماتشا الصينية: الذهب الأخضر القديم الذي يقود موجة العافية الجديدة في الشرق الأوسط
في مقاهي دبي المتخصصة، ومحلات القهوة العصرية في الرياض، والمطابخ التي تركّز على العافية من أبوظبي إلى الدوحة، هناك مسحوق أخضر زاهٍ يعيد تشكيل ثقافة المشروبات في المنطقة. إنه ليس اختراعًا جديدًا. إنه الماتشا — وتبدأ قصته ليس في اليابان كما يعتقد الكثيرون، بل في الصين، حيث أُتقنت صناعته قبل أكثر من ألف عام.
أصل صيني، وليس مستوردًا يابانيًا
تعود أصول الماتشا إلى عهد أسرة تانغ (618–907)، عندما كان صانعو الشاي الصينيون يبخّرون أوراق الشاي ويشكّلونها في قوالب للتخزين والتجارة. وبحلول عهد أسرة سونغ (960–1279)، تطور فن الشاي المطحون إلى ممارسة ثقافية راقية. كان معلّمو الشاي يستخدمون مضارب الخيزران، ويضيفون الماء على سبع مراحل، وينوّعون حركاتهم حتى تنتفخ الرغوة «مثل ضباب حليبي». نُقلت هذه الطريقة لاحقًا إلى اليابان على يد الرهبان البوذيين خلال عهد سونغ، حيث تطورت إلى مراسم الشاي اليابانية. وفي الوقت نفسه، اتجهت الصين في عهد أسرة مينغ نحو الشاي الورقي المنقوع، وتراجعت الماتشا عن الحياة اليومية في موطنها الأصلي.
اليوم، تشهد تلك الحرفة الصينية القديمة إحياءً قويًا. فالصين الآن من أكبر منتجي الماتشا في العالم، ومن المتوقع أن يتجاوز إنتاجها الوطني 12,000 طن متري في 2025، أي ما يقرب من 70% من الإنتاج العالمي. وأصبحت مقاطعة قويتشو جنوب غرب الصين، ولا سيما مدينة تونغرين، مركز هذا الإحياء، مستفيدة من المرتفعات الضبابية والمناخات ذات العرض المنخفض المثالية لزراعة شاي عالي الجودة. ومن الجدير بالذكر أن الماتشا الصينية تُصدَّر الآن مرة أخرى إلى اليابان — وهو تحول لافت يدل على جودة صناعة الماتشا الصينية الحديثة وحجمها.

ما الذي يجعل الماتشا الصينية مختلفة
على عكس الشاي الأخضر العادي، حيث تُنقع الأوراق ثم تُرمى، تُستهلك الماتشا كاملة. تُزرع الأوراق في الظل، وتُبخَّر لإيقاف الأكسدة، وتُجفَّف عند درجة حرارة منخفضة، وتُطحن بالحجر إلى مسحوق فائق النعومة. وهذا الاستهلاك للورقة كاملة يمنح تركيزًا أعلى بكثير من العناصر الغذائية — بما في ذلك EGCG (إيبيغالوكاتيكين غالات)، وهو مضاد للأكسدة قوي، إلى جانب إلثيانين، وهو حمض أميني يعزز اليقظة الهادئة، والكافيين الطبيعي.
وبالنسبة للمستهلكين في الشرق الأوسط، يحمل هذا الملف الغذائي أهمية خاصة. فقد وجدت دراسة أُجريت في السعودية عام 2025 أن أكثر من نصف المشاركين يعتقدون أن الماتشا يمكن أن تدعم إدارة الوزن وتوازن سكر الدم، وأفاد كثيرون بأنهم شعروا بأنهم «أكثر نشاطًا وانتعاشًا» بعد تناولها. وسلّط البحث نفسه الضوء على الفوائد المحتملة للماتشا لصحة القلب والأوعية الدموية، وإدارة السمنة، وتقليل خطر الإصابة بالسكري — وهي مخاوف صحية تلقى صدى عميقًا في منطقة الخليج.
والأهم أن منتجي الماتشا الصينيين مثل GuiTea حصلوا على شهادة حلال، مما يضمن أن منتجاتهم تلبي المتطلبات الغذائية للمستهلكين المسلمين في دول مجلس التعاون الخليجي. ويتبع الإنتاج ضوابط سلامة صارمة، حيث تُستمد المنتجات الرائدة من قواعد معتمدة وفق معايير الاتحاد الأوروبي، مع أنظمة تتبع تسمح بتتبع كوب الماتشا وصولًا إلى حصاد معين وخطوة تصنيع محددة.
صعود الماتشا في الشرق الأوسط
الأرقام تحكي قصة مقنعة. قُدّرت سوق الماتشا في الشرق الأوسط وأفريقيا بنحو 86.1 مليون دولار في السنوات الأخيرة، ومن المتوقع أن تصل إلى 110.7 مليون دولار بحلول 2030. وقُدّرت سوق الشاي الأخضر في السعودية وحدها — التي تشمل الماتشا — بنحو 140.14 مليون دولار، ومن المتوقع أن تنمو إلى 229.24 مليون دولار بحلول 2033. ومن المتوقع أن تقود الإمارات النمو الإقليمي، مع توقع وصول سوق شاي الماتشا فيها إلى 214.55 مليون دولار بحلول 2033.
والأهم من ذلك أن الماتشا انتقلت من منتج صحي متخصص إلى التيار الرئيسي. ففي دبي وأبوظبي والرياض، تقدم المقاهي المتخصصة الآن لاتيه الماتشا إلى جانب الكرك التقليدي. وأضافت الفنادق الفاخرة في دول الخليج مشروبات وحلويات قائمة على الماتشا إلى قوائمها، بما في ذلك تيراميسو الماتشا، ولاتيه الماتشا المثلج، والمعجنات المدمجة. وتقدم مخابز راقية في دبي وجوهانسبرغ كرواسون وكعكًا منقوعًا بالماتشا. ومن المتوقع أن تتوسع هذه الفئة بنسبة 130–160% في حجم الاستهلاك بحلول 2035، بمعدل نمو سنوي مركب يتراوح بين 9–12%.
لماذا يعتنق مستهلكو الشرق الأوسط الماتشا
ثلاثة عوامل تقود هذه الموجة.
أولًا، جاذبية «الطاقة النظيفة». يتجه الشباب المهنيون والطلاب في الخليج إلى الماتشا كبديل ألطف للقهوة. وصفها شاب يبلغ 26 عامًا في الرياض ببساطة: «تعطيني طاقة هادئة دون التوتر أو الانهيار الذي أشعر به عادة بعد شرب القهوة». إن مزيج الكافيين وإلثيانين في الماتشا ينتج يقظة مستدامة ومركزة — دون القلق الذي قد يصاحب استهلاك القهوة بكثرة.
ثانيًا، الارتباط بالعافية ونمط الحياة. مع أن أكثر من 60% من سكان دول الخليج تحت سن الثلاثين، فإن المنطقة لديها شريحة كبيرة منخرطة بعمق في اتجاهات العافية العالمية والتجارة الرقمية. وتندرج الماتشا بشكل طبيعي في هذه العقلية — فهي لافتة بصريًا، وصديقة لوسائل التواصل الاجتماعي، وتُقدَّم كخيار مميز وواعٍ صحيًا. وفي السعودية، وُصفت الماتشا بأنها «مزاج، وتعبير شخصي، وبالنسبة للكثيرين، طريقة أكثر صحة لبدء اليوم».
ثالثًا، تزايد التوفر وتنوع المنتجات. يعمل مصدرو الماتشا الصينيون بنشاط على التوسع في أسواق الشرق الأوسط. أفادت GuiTea، وهي منتج صيني رائد، بمبيعات في الشرق الأوسط بلغت نحو 5 ملايين يوان في 2025، مع توقعات بالوصول إلى 14–15 مليون يوان في 2026. وقد قام موزع سعودي زار مرافق الإنتاج في قويتشو في 2025 بطلبات من المتوقع أن تتجاوز 10 ملايين يوان، مشيرًا إلى ثقته في جودة التصنيع الصيني وأنظمة مراقبة الجودة. وإلى جانب المسحوق التقليدي، تطور شركات صينية بسكويت وشوكولاتة ومنتجات جاهزة للشرب قائمة على الماتشا ومصممة للأذواق الإقليمية.
كيف تستمتع بالماتشا الصينية
تحضير الماتشا في المنزل أبسط مما توحي سمعتها الاحتفالية. بالنسبة للماتشا الصينية، استخدم ماءً أقل من 60 درجة مئوية، وأضف ما يكفي فقط لتغطية المسحوق. اخفق (أو استخدم خفاقة كهربائية) حتى يتشكل معجون ناعم، ثم أضف الحليب أو الماء. ولمن يبحث عن الراحة، تتوفر بشكل متزايد مركّزات الماتشا وعبوات الماتشا الفورية في قنوات التجزئة في دول الخليج.
تشمل أشهر طرق التقديم في الشرق الأوسط لاتيه الماتشا المثلج مع حليب الشوفان أو الفانيليا، وسموذي الماتشا، والحلويات المدعمة بالماتشا. الطعم ترابي ومالح قليلًا — غالبًا ما يوصف بأنه «عشبي» عند التذوق الأول — لكنه يتناغم بشكل جميل مع تفضيل المنطقة للمشروبات الحلوة القائمة على الحليب.
جسر بين التقاليد القديمة والعافية الحديثة
بالنسبة للمستهلكين في الشرق الأوسط، تقدم الماتشا الصينية شيئًا نادرًا: منتجًا ذا إرث ثقافي عميق، وفوائد صحية موثقة، وجاذبية لنمط الحياة الحديث — كل ذلك في مغرفة خضراء زاهية واحدة. إنها معتمدة حلال، وقابلة للتتبع، ومدعومة بخبرة الصين العريقة في زراعة الشاي. ومع استمرار توسع اقتصاد العافية في المنطقة، فإن الماتشا الصينية لا تدخل السوق فحسب، بل أصبحت جزءًا من الطقس اليومي.
سواء خُفقت في لاتيه صباحي في الرياض أو مُزجت في سموذي بعد التمرين في دبي، فإن هذا الذهب الأخضر الصيني القديم يجد وطنًا جديدًا — كوبًا تلو الآخر.
